جلال الدين الرومي
7
المثنوي المعنوي ( معرب الكفافي )
ولكننا نلمس كيف أتاح الشاعر لا بليس كل مجال للدفاع عن أفعاله وكيف جعله يقوم بدوره في الحوار على أكمل صورة . فهذه الأسطر القليلة التي تمثل أصل القصة قد عبر عنها الشاعر بنحو مائتي بيت حوت كثيرا من الحوار الفكري ، وتو فرت لها مواقف درامية لم تكن موجودة فيها ، ودار حول وقائعها كثير من التحليل النفسي والفلسفة الأخلاقية . وإلى جانب البناء الفنى الجديد يضيف الشاعر إلى القصة - في غالب الأحيان - تفسيرا جديدا ، ويعرضها من وجهة نظر ربما لم تكن خطرت على بال واضع القصة من قريب أو بعيد . ومن أمثلة ذلك قصة الأسد والذئب والثعلب ، حين اصطحبوا للصيد « 1 » فصادوا ثورا ووعلا وأرنبا . فأمر الأسد الذئب بتقسيم الصيد فأشار بأن يكون الثور نصيب الأسد وبأن يختص هو بالوعل ، أما الأرنب فهو نصيب الثعلب . وهنا قتل الأسد الذئب ثم أمر الثعلب باجراء القسمة ، فما كان منه الا أن قال : أما الثور فهو لا فطارك أيها الملك ، وأما الوعل فلعشائك ، والأرنب لمنتصف النهار . فلما أبدى الأسد اعجابه بقسمة الثعلب ، ورسأله عمن علمه مثل هذه القسمة ، قال : « رأس الذئب الطائح عن جسده » . فحين تناول الشاعر هذه القصة جعل لها مغزى رمزيا . فالاسد رمز الله ، والذئب رمز لانسان أحس لنفسه وجودا ذاتيا أمام الله فكان جزاؤه الهلاك . أما الثعلب فرمز لانسان لم يستشعر وجوده في حضرة الخالق ، فكان أن غمره الخالق بالهبات . فالأسد - حين قضى الثعلب له بكل الصيد - وهب الصيد كله للثعلب . وفي هذا تعبير رمزى عن المضمون الذي يفهمه الصوفية من قول الرسول : « من كان الله ، كان الله له » . اما قتل الذئب على هذا النحو ، ونجاة الثعلب ، فقد تطرق الشاعر منه إلى الحديث عن معنى نجاة الأمة الاسلامية ، وهي ما عبر
--> ( 1 ) المثنوى ، 1 : 3013 وما يليه .